عبد المنعم الحفني

1553

موسوعة القرآن العظيم

وتلك إذن نظرية الاصطفاء عند هؤلاء وأولئك وعند المسلمين من بعدهم ، واللّه تعالى لا يمكن أن يختار إلا المتّقين والصالحين والأخيار ، وذلك من معاني الإسلام . واللافت للانتباه أن إبراهيم لمّا أراد أن يجعل النبوة في ذريته ، دعا ربّه بها لهم ، فقال تعالى في جواب دعائه : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( البقرة 124 ) ، واليهود والنصارى لا عهد لهم مع اللّه لأنهم ظلموا ، ولا يصلح الظالمون للاصطفاء أو الاختيار أو الاجتباء ، لأنه مقصور عقلا وعرفا وشرعا على أهل العدل والإحسان والفضل . * * * 1206 - ( الأعراب والعرب ) العرب هم الجنس العربي الذي لغته وقوميته العربية ، ومنهم العرب العاربة : وهم العرب الخلّص ، ويقابلهم العرب المستعربة أو المتعرّبة وهؤلاء لم يكونوا عربا في الأصل ، ثم سكنوا بلاد العرب ، وتكلموا العربية ، ويقال تعرّبوا : أي تشبّهوا بالعرب . والعرب عموما ينسبون إلى يعرب بن قحطان ، أو أنهم سمّوا عربا لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم ، ونشئوا في عربة من تهامة فنسبوا إليها ، وكثيرا ما ينسب الناس إلى الأماكن مثلما ينسبون إلى الجدود . وكانت قريش تسكن عربة وهي مكة ، وانتشر سائر العرب في الجزيرة العربية . وأما الأعراب : فهؤلاء هم العرب الرحّل ، وثقافتهم أقل ، ويعيشون في بداوة وجهالة . والموجود بالقرآن مصطلحان : « عربى ، وأعراب » ، ويتكرر الأول إحدى عشرة مرة ، ويوصف به اللسان : لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( النحل 103 ) ، وينعت به القرآن : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ( يوسف 2 ) ، وينسب إليه الحكم : أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا ( الرعد 37 ) . والنسبة به للثقافة والحضارة وليس للانتماء السلالى أو الوراثى الجيني . وكذلك مصطلح « الأعراب » ، فإنه يتكرر عشر مرات ، ويدل على فئات من العرب أقل حضارة وثقافة ، وهؤلاء عانى منهم المسلمون بسبب ضحالة معارفهم وانحطاط ثقافتهم الدينية والأخلاقية والاجتماعية ، والإشارة بالمصطلح « الأعراب » تحديدا إلى فئة من كان يسكن من البدو حول المدينة في زمن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فرغم أنهم اعتنقوا الإسلام ، إلا أنهم لم يعرفوه حق المعرفة ، ولم يمارسوه كما ينبغي ، وكان من الواضح أن اعتناقهم له كان طلبا للسلامة ، وطمعا فيما يمكن أن يعود به الإسلام عليهم من المكاسب ، كالمنعة والصدقة والفيء ، وجاء في وصفهم في القرآن : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ( التوبة 97 ) ، فكانوا الأشد كفرا ونفاقا من المنافقين ، والأشد جهلا في أمور الدين ، وكان أذاهم الأكثر ، لأنهم كانوا الأقسى قلبا ، والأجفى قولا ، والأغلظ طبعا ، والأبعد عن سماع التنزيل ،